تقنيات الواقع المعزز


مع كل خطوة نخطوها في عالم الثورة الرقمية، يصبح ما كنا نظنه دربًا من الخيال وأكثر قربًا إلى الواقع الذي نعيش فيه. فمهندسي الأجهزة ومطوري البرامج يواصلون تحسين تقنيات الواقع المعزز لديهم يومًا بعد يوم، مما يجعل الخط الفاصل بين الحياة الواقعية والافتراضية أكثر ضبابية، ويبدو وكأن الواقع المعزز سيغدو هو نفسه واقعنا الحقيقي عما قريب.


الواقع المعزز هو مزج العناصر الرقمية التفاعلية - مثل التركيبات المرئية المبهرة، أو الإسقاطات الحسية - والتي تكون أشبه بالحقيقية – مع  بيئاتنا الواقعية. إن كنت من الذين عايشوا صخب لعبة Pokemon Go ، فبالتأكيد قد شاهدت الواقع المعزز، حيث سمحت هذه اللعبة المحمولة (التي كانت شائعة بشكل لا يصدق) للمستخدمين بمشاهدة العالم من حولهم من خلال كاميرات الهواتف الذكية خاصتهم أثناء عرض عناصر وشخصيات اللعبة، بما في ذلك الأيقونات التي تظهر على الشاشة، والنتائج، ومخلوقات البوكيمون بعيد المنال، تركيبات مذهلة جعلت منهم يبدون كما لو كانوا كائنات حقيقية في واقعنا الحقيقي. كان تصميم اللعبة مذهلًا لدرجة أنه جعل ملايين الأطفال والكبار على حد سواء يسيرون في ساحاتهم الخلفية وفي الطرقات في العالم الحقيقي بحثًا عن جوائز افتراضية لا تمت لواقعنا بصلة.

 

Google SkyMap هو تطبيق AR آخر معروف ويقدم معلومات حول الأبراج والكواكب وغيرها بمجرد توجيه كاميرا هاتفك الذكي أو جهازك اللوحي نحو السماء. كذلك Wikitude هو تطبيق يبحث عن معلومات حول معلم أو كائن ما بمجرد الإشارة إليه باستخدام كاميرا هاتفك الذكي. بحاجة إلى مساعدة في اختيار أثاث جديد لغرفة المعيشة الخاصة بك؟ سيوفر تطبيق IKEA Place صورة للأثاث الجديد في أركان غرفتك وقبل شرائه حتى يمكنك التأكد من ملاءمته لديكور منزلك.


ولكن تقنية الواقع المعزز أكثر من مجرد تسلية عبر هاتفك الذكي؛ إنها تقنية وجدت العديد من الإستخدامات في أمور أكثر خطورة، من مجال الأعمال إلى الطب وحتى استخدامها في الحروب، فقد كانت الجيوش من أوائل من تبنوا تكنولوجيا الألعاب، حيث رأوا فيها إمكانية تدريب الجنود على الحرب بشكل واقعي ولكن في بشكل أكثر أمانًا.

يستخدم الجيش الأمريكي - على سبيل المثال – تقنيات الواقع المعزز لإنشاء مهام تدريب مُحسَّنة رقميًا للجنود. ولعل البعض قد سمع عن برنامج "بيئة التدريب الاصطناعية – STE" الخاص بالجيش الأمريكي. وقد تساعد نظارات وسماعات الواقع المعزز القابلة للارتداء الجيوش المستقبلية في معالجة الحمل الزائد للبيانات بسرعات لا تصدق، مما يساعد القادة على اتخاذ قرارات أفضل في ميدان المعركة وأثناء الطيران. توجد أيضًا العديد من المميزات التجارية الرائعة - على سبيل المثال ، يساعد تطبيق Gatwick المسافرين على التنقل بسهولة داخل المطارات المزدحمة باستخدام تطبيق AR الخاص به.
إمكانيات وقدرات تكنولوجيا الواقع المعزز حقيقةً لا حدود لها. الشيء الغير معروف هو مدى سلاسة وسرعة المطورين في دمج هذه القدرات مع كافة الأجهزة التي نستخدمها في حياتنا الواقعية بشكل يومي.

 

 

بداية تعزيز عالمنا الحقيقي!

تتمثل الفكرة الأساسية للواقع المعزز في تحسين الرسومات والصوت والمؤثرات الحسية الأخرى ودمجه بالبيئة الحقيقية. ولكن ألا تقوم بذلك شبكات التلفزيون مع الصوتيات والرسومات لعقود مضت؟ نعم ولكن على الرغم من ذلك فإن الواقع المعزز أكثر تقدماً من أي تقنية رأيتها عبر البث التليفزيوني، على الرغم من اقتراب بعض التأثيرات التلفزيونية الجديدة، مثل RACEf / x وغيرها من التقنيات المستخدمة في ملاعب كرة القدم، لكن هذه الأنظمة تعرض الرسومات من خلال منظور واحد فقط. ولكن الجيل القادم من أنظمة الواقع المعزز سيعرض هذه الرسومات من جميع المناظير من حولك.

أصبحت أبحاث وتطبيقات الواقع المعزز الأكثر إثارة محل اهتمام كبير في مختبرات الأبحاث في الجامعات في جميع أنحاء العالم. وفي فبراير 2009، كانت التقنيات التي استعرضها كل من باتي مايس وبراناف ميستري في مؤتمر TED  لنظرية الواقع المعزز محل اهتمام الكثيرين. كان المشروع ببساطة يتكون من كاميرا وهاتف ذكي ومرآه وجهاز عرض هولوجرامي صغير، وأطلقوا هذه التقنية آنذاك الحاسة السادسة. وعلى الرغم من توقف المشروع ، إلا أنه كان بمثابة نظرة عامة جيدة على كيفية العثور على المكونات الأساسية لأنظمة الواقع المعزز.

 

 

ثورة الواقع المعزز في الهواتف الذكية!

يمكن أن نستمر في تقديم أمثلة عديدة على تطبيقات تعتمد على الواقع المعزز وتعمل على الهواتف الذكية، ولكن هذه البرامج تأتي وتتلاشى بسرعة كبيرة. ربما يكون من الأفضل الإشارة إلى أن الشركات المصنعة على يقين تام من نجاح هذه التقنية مما يجعلها في الواقع تقوم ببناء أجهزة خاصة تهدف فقط إلى إبراز تجربة الواقع المعزز - على سبيل المثال ، صنعت Zenfone AR على أمل الحصول على حصة مبكرة في السوق الخاصة بالواقع المعزز.

على صعيد آخر يواصل إثنان من رواد التكنولوجيا Google وApple تعديل أجهزتهم المحمولة تلبيةً لمتطلبات التطبيقات الخاصة بالواقع المعزز. وبفضل المعالجات الأسرع على الإطلاق لأجهزة iPhone و iPad ومجموعة جالاكسي للهواتف الذكية التي تعمل بنظام أندرويد، أصبحت هذه الأجهزة الصغيرة قوية بما يكفي لتشغيل تطبيقات كثيفة الاستخدام للبيانات بجميع أنواعها، بما في ذلك التطبيقات التي تتبنى تكنولوجيا الواقع المعزز. كذلك بفضل التشغيل الفعلي لشبكات بيانات الجيل الخامس 5G الأسرع على الإطلاق، ستتمكن هذه الأجهزة من إرسال واستقبال كميات هائلة من البيانات التي تجعل الواقع المعزز أسرع وأفضل من أي وقت مضى، وسيعمل سواء كنت في منزلك أو بينما تقود سيارتك على الطريق.

يمكننا المراهنة كذلك على أن شبكات التواصل الاجتماعي ستحاول – حتمًا - الاستفادة من تقنيات الواقع المعزز خلال الفترة القادمة. فمثلا فيس بوك يمتلك منصة تطوير الواقع المعزز الخاصة به، والذي يساعد المطورين على إنشاء تطبيقات تدعم الواقع المعزز ضمن إطار فيس بوك فضلًا عن مشروع نظارات الواقع المعزز الخاص به. بينما تروج جوجل لمنصة Tango AR والتي توفر إمكانيات البحث المرئي من خلال عدسات جوجل. ولم تفوت شركة آبل هذا السباق بالطبع، مع ARKit الذي يجهز المبرمجين بالشفرة التي يحتاجون إليها للتعمق في إنشاء تطبيقات الواقع المعزز لأجهزة آيفون وغيرها من الأجهزة التي تعمل بنظام IOS.

وقد يعتمد اختصاصيو الرعاية الصحية قريبًا على الواقع المعزز الذي يدعم الهواتف الذكية حيث تقوم شركة تدعى Tissue Analytics ببرمجة أحد التطبيقات التي تساعد الأطباء والممرضين على استخدام هواتفهم للتعرف بسرعة على أنواع معينة من الجروح لتشخيص أسرع ورعاية أكثر فعالية.

ثم هناك تطبيقات مثل Pokemon Go المذكورة سابقًا، وهي لعبة ذاع صيتها في عام 2016، وسمحت للاعبين بالصيد عبر هواتفهم الذكية أو الأجهزة اللوحية في الطرقات والأماكن العامة.

 

 

القيود ومستقبل الواقع المعزز!

الواقع المعزز لا يزال لديه بعض التحديات للتغلب عليها. على سبيل المثال، قد لا يرغب بعض الأشخاص في الاعتماد على هواتفهم الذكية، والتي تحتوي غالبًا على شاشات صغيرة لعرض هذا الكم من المعلومات. ولهذا السبب، فإن الأجهزة التي يمكن ارتداؤها مثل العدسات اللاصقة والنظارات والتي تدعم الواقع المعزز ستوفر للمستخدمين منظورًا أكثر ملاءمة واتساعًا للعالم من حولهم. وربما لن يكون هناك حاجة كذلك للشاشات الذكية قريبًا، فقد تتمكن من لعب نفس الألعاب على جهاز الكمبيوتر الخاص بك بمجرد ارتداء نظارات الواقع المعزز واللعب أنت وأصدقاؤك في أي مكان تريد.
كما هو الحال مع إدمان الإنترنت والهواتف الذكية، قد يتسبب إدمان الواقع المعزز العديد من المشاكل كأن يتم استبدال الأسخاص الحقيقيين بوظائفهم بتطبيقات الواقع المعزز المختلفة. على سبيل المثال استبدال مرشدك السياحي بتطبيق واقع معزز على الرغم من أن المرشد السياحي قد يكون قادرًا على تقديم مستوى من التفاعل وتجربة ولمسة شخصية غير متوفرة في أي برنامج كمبيوتر.

هناك أيضا مخاوف تنتهك الخصوصية، ففي القريب العاجل، سيسمح لنا برنامج التعرف على الصور إضافةً إلى الواقع المعزز، بتوجيه هواتفنا إلى أشخاص ربما غرباء ورؤية معلوماتهم الشخصية على الفور من Facebook أو Twitter أو Amazon أو LinkedIn أو ملفات التعريف الأخرى عبر الإنترنت. مع وجود معظم هذه الخدمات، يقوم الأشخاص عن طيب خاطر بوضع معلومات خاصة عن أنفسهم عبر الإنترنت، ولكن قد تكون صدمة مقابلة شخص غير مرحب به ويمتلك تطبيقًا في هاتفه يمكنه معرفة كل شيء عنك تقريبا.

على مدار الأعوام القليلة القادمة، من المحتمل أن نشهد قفزات تطورية في مفهوم الواقع المعزز، من حيث كل من البرامج والأجهزة وعدد كبير من التطبيقات الجديدة. ربما تعتقد أن مستقبل الواقع المعزز مشرق للغاية وهذا ما ستكشفه الأيام القادمة.